التقشف يزحف إلى مختلف النماذج الاقتصادية العربية

السبت 13 يناير 2018 04:19:33
التقشف يزحف إلى مختلف النماذج الاقتصادية العربية

خط الدفاع الأخير

العرب
  • أجبرت الأزمات الاقتصادية عدة دول عربية على دخول مغامرة التقشف، في محاولة لردم فجوة العجز الكبيرة في الموازنة، لكنّ محللين يحذرون من أن الخطوة قد تراكم المشكلات المزمنة بعد أن أدت إلى تفجر الاحتجاجات بسبب شلل الاقتصاد أصلا وارتباك السياسات الحكومية.

استبعد خبراء اقتصاديون أن تتمكن التدابير التقشّفية التي تطبقها بعض الدول العربية في تخفيف الأزمات الاقتصادية المزمنة ومعالجة مشكلة تراجع الإيرادات.

ولجأ كل من السودان والأردن في الأسابيع الأخيرة إلى رفع الدعم عن الوقود وزيادة أسعار بعض السلع والخدمات وفرض ضرائب جديدة في محاولة لزيادة الإيرادات وتحسين أوضاعها الاقتصادية التي تضررت كثيرا في السنوات الأخيرة.

واعتمد السودان طيلة سنوات على الموارد الطبيعية، لكن سياساته الاقتصادية البالية راكمت الخلل المزمن في هيكل التوازنات الاقتصادية، في حين ركز الأردن بشكل كبير على تصدير العمالة وجذب الاستثمارات والمساعدات الأجنبية.

ويرى محللون أن البلدين لم يستغلا الظروف التي كانت ملائمة من أجل تغيير النموذج التنموي، وهو ما أدى إلى انحدار البلدين في مشاكل اقتصادية مستعصية.

ولعل تقليص دعم الخبز أو إلغائه كان المتصدر للمشهد في مناقشات الموازنة العامة لتلك الدول مؤخرا، التي سعت بشكل كبير لإحلال توازن بين المطالب الاجتماعية بتخفيف ضغوط الغلاء والحد من عجز الموازنة.

وقوبلت هذه القرارات باحتجاجات وردود فعل غاضبة في الكثير من الدول منها السودان، وسط مخاوف من انفلات الأسعار مع غياب الرقابة على الأسواق، وهو ما سيؤثر سلبا على أوضاع المستهلكين.

ويقول مروان الشرشابي، مدير إدارة الأصول لدى الفجر للاستشارات المالية، إن الغالبية العظمى من الدول العربية الأبرز لجأت في الآونة الأخيرة لرفع الدعم وزيادة أسعار السلع وربما فرض ضرائب، في محاولات لمعالجة الاختلالات والضغوط المالية التي تعاني منها. وأكد أن الإصلاحات التي تتخذها تلك الدول ضرورية ولطالما طالب بها صندوق النقد الدولي، لكن لا بد من مراعاة الطبقة الفقيرة ومتوسطة الدخل التي ستعاني من تداعيات القرارات.

ويتفق الخبير الاقتصادي جمال عجيز مع ذلك الرأي، لكنه حذر من ارتفاع نسبة الفقراء بسبب تلك الإجراءات وعدم مقابلتها بزيادة في الرواتب.

وقال إن “الإصلاحات تمثل خطوة هامة لكن ستكون هناك تداعيات سلبية متوقعة تتمثل في موجات تضخمية قوية بعد تقليص أو رفع الدعم عـن الوقود وزيادة أسعار السلع″.

ولم يكن الوضع في السودان أحسن حالا عن الأردن، إذ خرجت احتجاجات على رفع أسعار الخبز في الخرطوم وانتشرت في مدن جنوب البلاد.

وجاءت المظاهرات في الخرطوم، في أعقاب احتجاج مماثل في مدينة سنار جنوب شرق البلاد، بعد مضاعفة سعر الخبز في الأيام الأخيرة، عقب إعلان الحكومة في أواخر الشهر الماضي أنها ستلغي الدعم في موازنة هذا العام.

وأحدثت الزيادات في الأسعار غضبا شعبيا بسبب أسعار الخبز الجديدة، بعد أن أعلنت المطاحن الرئيسية في البلاد زيادة أسعار كيس الطحين بنسبة 200 بالمئة.

ودعت أحزاب معارضة، الشعب السوداني للخروج في احتجاجات سلمية لمناهضة القرارات الاقتصادية.

وصادق البرلمان السوداني على الموازنة التي أقرت رفع الدولار الجمركي إلى 18 جنيها بدلا عن 6.9 جنيهات، فضلا عن رفع تعرفة الكهرباء لقطاعات الصناعة والزراعة والتجارة.

ويتجاوز استهلاك السودان من القمح مليوني طن سنويا، في حين تنتج البلاد ما لا يتجاوز نحو 12 إلى نحو 17 بالمئة من الاستهلاك السنوي، فيما تعاني الحكومة من عجز في توفير اعتمادات العملة الصعبة لاستيراد القمح، والتي تتجاوز ملياري دولار سنويا.

وتستهدف الحكومة عجزا في الموازنة بنحو 4.11 مليارات دولار، تشكل نسبته 2.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ولن يكون الأردنيون بعيدين عن التدابير التقشفية القاسية، فقد قررت الحكومة رفع أسعار الخبز بداية من الشهر المقبل، مع تقديم دعم نقدي للفئات المستحقة بديلا عنه، وفقا لتصريحات وزير الصناعة والتجارة، يعرب القضاة.

وتأتي القرارات بعدما حصلت الحكومة مؤخـرا على مـوافقة البـرلمـان لتنفيـذ برنامجها المالي وخطط رفع الأسعار وفرض الضرائب.

وبموجب القرار من المرتقب أن ترتفع أسعار الخبز بنسب تتراوح بين نحو 66 و100 بالمئة، على أن تسري الأسعار الجديدة لمدة عام على أن يعاد النظر فيها بعد ذلك، وتغييرها بحسب أسعار القمح عالميا وكلف الإنتاج من أسعار الوقود وغيرها.

وأثارت القرارات مخاوف الأردنيين من تراجع قدراتهم الشرائية نتيجة لزيادة الإنفاق على الغذاء والمتطلبات الأساسية، ما يضعف حركة السوق ويضر الاقتصاد بشكل عام.

ويسعى الأردن للسيطرة على نفقاته مع تراجع المنح الخارجية وتزايد أعبائه بسبب استضافة اللاجئين. ويقدر عجز موازنة هذا العام نحو 1.75 مليار دولار، أي 4.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وكانت عمّان قد لجأت لصندوق النقد في 2012 بعد أن تفاقمت أزمتها المالية، والذي نصحها بترشيد نفقات الدعم التي تلتهم ربع نفقات الموازنة تقريبا.

ورغم كل تلك الظروف، إلا أن البلدين يتوقعان أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تدريجيا خلال العام الجاري.